الشيخ محمد مهدي الآصفي
47
ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة
والتشويه وسوء الاستغلال ، فإنّ الدين قوة كبرى في المجتمع ، وهو معرَّض دائماً للتحريف وسوء التأويل والاستغلال ، ولابد من وجود سلطان نافذ قوي في المجتمع يحمي الدين من سوء الاستغلال والتحريف ، وهذا السلطان هو سلطان الدولة الاسلامية . هذه هي النقاط الرئيسية المذكورة في رواية الفضل بن شاذان في تفسير وتوجيه ضرورة الدولة في حياة المجتمع . ومن المؤكّد أنّ هذه الضرورات الثلاثة لا تختصّ بوقت ، وكما هي قائمة في عصر الحضور فهي قائمة في عصر الغيبة أيضاً ، وهذه الضرورات الثلاث تستوجب السعي والعمل لإقامة الدولة الاسلامية من قبل عامة المكلّفين . يقول الغزالي : ( نظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصّل إليها إلّابصحة البدن ، وبقاء الحياة ، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والسكن والأمن . . . ، وليس يأمن الانسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه قوته في جميع الأحوال . . ، فلا ينتظم الدين إلّا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية ، وإلّا فمن كان جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة متى يتفرّغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة ؟ فإذن بان أنّ نظام الدنيا شرط لنظام الدين ) . ثم يقول : ( وعلى الجملة : لا يتمادى العاقل في أنّ الخلق على اختلاف طبقاتهم ، وما هم عليه من تشتّت الأهواء وتباين الآراء ، لو خلّوا وآراءهم ، ولم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم ، لهلكوا من عند آخرهم . وهذا داء لا علاج له إلّابسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء . . . ، فبان أنّ السلطان ضروري في نظام الدنيا ، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين ، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الأخرى ، وهو مقصود الأنبياء طبعاً ، وكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه ) « 1 » .
--> ( 1 ) . الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي : 105 - 106 ط حجازي بالقاهرة .